عبد الملك الجويني
331
الشامل في أصول الدين
إلى دليل ؟ فإن زعموا أنهم قالوه بغير دليل ، فقد اعترفوا بأنه لا عصمة معهم ، ولا حجة تعضدهم ، وهذا ما لا يرتضيه صاحب مذهب لنفسه . ولو يسوغ ذلك في المذاهب ، لا تسع الخرق ، واستوى المحق والمبطل . وأقرب ما يلزم على ذلك تجويز تقليب اللّه تعالى بما له اشتقاق من الألقاب وبما لا اشتقاق له ، وهذا مما لم يصر إليه أحد من مثبتي الصانع . وإن زعموا أنهم قالوا ما قالوه عن دليل ، قسمت عليهم مدارك الأدلة ، وهي تنحصر في قضية عقل ، أو نص كتاب من رسول ، أو إجماع الأئمة عند مثبتيه . هذه هي القواطع من الأدلة . فإن ادعوا أنهم أثبتوا ما قاله عقلا ، كان ذلك خروجا منهم عن التحقيق ، فإن العقول لا تدل على إثبات اللغات ، وتثبيت الأسماء وتخصيصها بالمسميات ، وأنها تثبت تواضعا واصطلاحا أو توقيفا ، ولا يتوصل إليها بقضية عقلية . ووضوح ذلك يغني عن الإغراق فيه . ولا سبيل لهم إلى الاستدلال بكتاب ، إذ ليس في كتابهم إثبات هذا الاسم للّه ، فكيف وكتابهم ليس بلغة العرب ! ولم يدّع أحد من النصارى اشتمال الإنجيل على ذلك . والإجماع عندهم ليس بحجة مقطوع بها ، فلم يبق لهم متعلق . فإن قالوا : قد وجدنا في أدياننا ما إذا ترجم بلغة العرب ، كانت الترجمة جوهرا . قلنا : لا تبهموا قولكم ، وأوضحوا لنا مذهبكم وأصلكم المقتضي عندكم هذه الترجمة ، فيها يتبين زللكم في الترجمة أو سدادكم . فإن قالوا : الثابت في ديننا ، المقتضي لهذه الترجمة ، أن القديم قائم بنفسه ، كما أن الجوهر قائم بنفسه ، فاقتضى ذلك له الاتصاف بكونه جوهرا . قلنا : هذا الذي ذكرتموه باطل من أوجه : منها أنه لم يثبت في لغة العرب التعبير عن القائم بالنفس ؛ بالجوهر . ولو عرض ذلك على العرب وأهل اللسان ، لأبوه ، ولم يعترفوا به . فهذا إذا خروج عن اللغة من غير إذن وارد في الشرع . ثم نقول : لأهل الحق وجوه من الكلام في معنى القائم بالنفس . فصار صائرون إلى أن القائم بالنفس هو الموجود ، المستغني عن محل يقوم به ، فعلى ذلك يتحقق القيام بالنفس للجواهر الحادثة ، ولكن لم يكن الجوهر جوهرا لقيامه بنفسه ، كما لم يكن جوهرا لوجوده . وإن كان الوجود لازما له ، فكذلك القيام بالنفس ، وإن لزم الجواهر ؛ فليس هو المقتضي لكونها جواهر ، كما ليس الوجود مع لزومه مقتضيا ذلك . وعلى النصارى - لعنهم اللّه - أن يدلوا على أن الجوهر إنما كان جوهرا لقيامه بنفسه ، وهذا ما لا يجدون إليه سبيلا . فإن قالوا : لم نجد وصفا يقتضي للجوهر كونه جوهرا إلا القيام بالنفس .